ابن الجوزي

61

القصاص والمذكرين

هذا وابن الجوزي كان من كبار القصاص وقد بدا في كتاب القصاص والمذكرين متعاطفا مع القصاص مائلا إليهم ، وإن كان الرجل بقي في دائرة الانصاف لم يجاوزها إلى التعصب والتحزب والمعاندة ، فلقد ذكر مساوئهم ونقائصهم ، وذكر إساءة بعضهم للمعاني الكريمة الطيبة وللأغراض النبيلة السامية التي يؤديها الوعظ وتذكير الناس ودعوتهم إلى الخير . ومن كتبه التي عني فيها بموضوع القصص كتاب « المدهش » الذي نرى تأثر ابن الجوزي فيه بالصوفية والمتصوفين واضحا جدا « 1 » . ومهما يكن من أمر فإنّ ابن الجوزي كان ميالا إلى القصّاص ، وإنني أحسب أنه كان معذورا عندما يبدو متحمسا بعض الشيء لجانب القصص والتذكير ، لأن ابن الجوزي كان واعظا فصيحا وداعية موفقا خبر موضوع الاتصال بالعامة وخرج بنتائج قيمة من هذه التجربة سجّل بعضها في هذا الكتاب . وهذا أمر جاء في موضعه من ابن الجوزي لأنّ الواقع الأليم الذي كان يعاني منه المسلمون بحاجة إلى إصلاح وتذكير وإرشاد . ونظرة منّا إلى واقع المسلمين اليوم من غياب الدعاة إلى اللّه الصادقين ، وبقاء الدجالين يصولون ويجولون تقنعنا بحاجة الناس إلى من يذكرهم باللّه ويوقظ فيهم معاني الخير ، وليس كما يتصور بعض الناس الذين يذهبون إلى القضاء على القصص والوعظ من حيث هو .

--> ( 1 ) انظر ص 178 من « المدهش » وفي هذه الصفحة مثال على هذا التأثر ذكرناه في زلات ابن الجوزي .